جلال الدين السيوطي

280

الأشباه والنظائر في النحو

قائمين » لم يمكن أن يكون في قائمين ضميران لأنّه لو كان لكان أحدهما مثنّى من حيث عوده على مثنّى والآخر مفردا لعوده على مفرد ، وتثنية اسم الفاعل وإفراده إنما هو بحسب ما يرفع من الضمير ، فكان يلزم أن يكون اسم الفاعل مفردا مثنّى في حال واحدة ، وهو باطل . وأمّا قول الفرّاء : الحال لم تتحمّل ضمير المبتدأ للزومها مذهب الشرط ، فالجواب عنه : أنّ الشرط بمفرده من غير جوابه لا يصلح للخبريّة لأنّه لا يفيد ، وإذا كان كذلك تعيّن أنّ جواب الشرط محذوف فيكون الضّمير محذوفا مع الجواب . وأما تشبيه ابن كيسان الحال بالظّرف ، فكأنّه قال : ضربي زيدا في حال قيام فليس بشيء لأنّه لو جاز ذلك لهذا التقدير لجاز مع الجثّة أن يقول : « زيد قائما » لأنّه بمعنى : زيد في حال قيام ، وحيث لم يجيزوا ذلك دلّ على فساد ما ذكره . وأمّا قولهم : إنّه منصوب على الخلاف ، ففاسد أيضا لأنّ الخلاف لو كان عاملا لعمل حيث وجد ، ونحن نرى العرب تقول : « ليس زيد قائما لكن قاعد » ، برفع « قاعد » على الجواز ، و : « ما زيد قائما لكن قاعد » برفعه على الوجوب مع كونه مخالفا لما قبله فبان فساد ما ذكروه . وقال جماعة بتقدير الخبر ثم اختلفوا في كيفية تقديره ومكانه ، فحكى أبو محمّد ابن السيد البطليوسي وابن عمرون عن الكوفيّين أنّهم قالوا بتقديره بعد « قائم » والتقدير : ضربي زيدا قائما ثابت أو موجود ، وردّ بأنّه تقدير ما لا دليل في اللّفظ عليه ، فإنّه كما تقدّره « ثابت » يجوز أن يقدّر أيضا « منفيّ » أو « معدوم » ، ولأنّه إذ ذاك يكون حذف الخبر جائزا لا واجبا ، لأنّ قائما حينئذ يكون حالا من زيد والعامل فيه المصدر ، فلا تكون الحال سادّة مسدّ الخبر فلا يلزم حذفه . وإنّما يجب حذف الخبر في مثل هذا إذا سدّت الحال مسدّه ، لأنّ الحال إذ ذاك عوض من الخبر ، بدليل أنّ العرب لا تجمع بينهما ، ولا تحذف خبر هذه المصادر إلّا مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر ، لأنّ أصل الخبر التنكير كالحال ، ولأنّ الحال هي صاحبها كما أنّ الخبر المفرد هو المبتدأ ، والحال مقيّدة كما أنّ الخبر كذلك ، ففهم من عدم اجتماعهما قصد العوضيّة ، ولا تتصوّر العوضيّة إلّا على قول من قدّر الخبر قبل الحال . وذهب البصريّون والأخفش - وهو الصّحيح - إلى تقديره قبل قائم ثمّ اختلفوا في كيفيته فقال الأخفش : تقديره « ضربي زيدا ضربه قائما » . وهذا لا يخلو إمّا أن يجعل المصدر الثاني وهو ضربه مضافا إلى المفعول وفاعله ضمير المتكلّم محذوف ، فيصير كأنّه قال : ضربي زيدا ضربته قائما ، فإمّا أن يفهم من معنى الخبر عين المفهوم